نظرة عامة
في ظل المشهد العالمي الراهن، أصبح التغيير هو الحقيقة الثابتة الوحيدة. إذ تواجه المؤسسات الحكومية والشركات مستويات غير مسبوقة ومتسارعة من الضغوط وحالة عدم اليقين. وأمام هذه التحديات، الممتدة من ارتفاع التكاليف إلى التغيرات السريعة في ديناميكيات السوق، تبرز حاجة متزايدة للاستعداد وتبني الأدوات وأطر المشتريات المناسبة لإدارة النفقات بفاعلية، وتحسين الأوضاع النقدية، وتجاوز الاضطرابات.
وعند مواجهة هذه التحديات وحالة عدم اليقين، لا تصبح الحاجة إلى الابتكار أمرًا بالغ الأهمية فحسب، بل يصبح هو المعيار الجديد للأعمال. وهنا، تشكل إعادة النظر في كافة جوانب منظومة المشتريات عاملاً أساسيًا لأخذ زمام المبادرة، وتجاوز التقلبات، والعبور بنجاح من أي أزمة.
وفي هذا السياق، واجهت دولة قطر مشهدًا استثنائيًا بالغ التعقيد خلال تعاملها مع تداعيات الجائحة والحصار معاً. ومع ذلك، شكّل هذان العاملان محفزًا دفع جميع الأطراف المعنية إلى الابتكار من أجل المستقبل، مما مكّن الجميع من تجاوز تلك المرحلة بخطى أكثر قوة ومرونة عبر ترسيخ ثقافة الابتكار.
ومن هذا المنطلق، تُسلط هذه الورقة البيضاء الضوء على المناهج المعتمدة، بالإضافة إلى المخرجات الرئيسية والدروس المستخلصة.
منهجية العمل
انطلاقًا من دورها كشريك استراتيجي للابتكار ملتزم بتحقيق النمو المستدام وتيسير التحولات الناجحة، نظمت شركة “ابتكار” فعالية طاولة مستديرة تحت عنوان: “أطر المشتريات الممكّنة للابتكار”. وقد شارك قادة من مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، وخدمات أمازون ويب (AWS)، وشركة حصاد الغذائية، وغيرهم من القطاعات، في تسليط الضوء على أفضل الممارسات المهنية، والدور الحاسم لتبني عمليات المشتريات المتطورة لتعزيز الابتكار في بيئة الأعمال.
وقبل التطرق إلى كيفية تبني الأطراف الرئيسية للابتكار في المشتريات، من المهم النظر في تاريخ عملية المشتريات ونقد مفاهيمها التقليدية. فالطريقة التي كانت تُدار بها المشتريات في الماضي لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات اليوم.
ولفهم هذا الموضوع أكثر، لنتأمل أهرامات مصر على سبيل المثال، حيث تم توريد المواد لتلبية متطلبات هذا المشروع الضخم، وهو ما تطلب قدرًا كبيرًا من التحكم والضبط. وبعد ذلك، تحولت المشتريات تدريجيًا إلى وظيفة استراتيجية خلال عصر النهضة لتدعم الدول في فترات توسعاتها. ثم، ومع ظهور الثورة الصناعية، جاء التركيز على الإنتاج الضخم ودور المشتريات في تحسين الكفاءة. وأخيرًا، وبحلول القرن العشرين، وتحديدًا مع ظهور التكنولوجيا الرقمية والاتصالات، اتخذت منظومة المشتريات طابعًا أكثر جمودًا داخل المؤسسات.
المخرجات والنتائج
“شركة ابتكار”: نموذج تبني الابتكار
مع توجه قطر نحو تحقيق النمو المستدام، نجحت الدولة في الاستثمار في بنية تحتية عالمية المستوى على مدار العقدين الماضيين. وقد تحول التركيز الآن نحو تبني حلول وخدمات مبتكرة لمواصلة دفع مسيرة التقدم إلى الأمام.
وينطلق هذا التوجه من إدراك الدولة بأن التطور المستدام يتجاوز حدود البنية التحتية المادية، ليصل إلى استثمار طاقات التكنولوجيا الثورية، والأفكار الرائدة، والشراكات المثمرة. وهو تحول جوهري تنبهت له مجتمعات الأعمال وبدأت تتفاعل معه بخطوات عملية على أرض الواقع.
وفي مسعى منها لتوظيف الابتكار ومواكبة متطلبات العصر، اعتمدت إحدى المؤسسات في دولة قطر على آليات المشتريات التقليدية، حيث طرحت مناقصة في السوق لمشروع يهدف للتحول من عمليات تنظيف واجهات المباني المعتمدة على العمالة إلى الحلول الروبوتية. انطلقت الإجراءات عبر نظام المناقصات المعتاد، وتخللتها جلسات توضيحية بين العميل والموردين. غير أن التحديات بدأت في الظهور بمجرد مناقشة نطاق العمل. ومع استمرار الإجراءات، تكرر تمديد الجداول الزمنية، مما أسفر عن تأخير دام عامًا كاملاً لغايات اختبار الابتكار. ولا يقتصر الأثر السلبي لمثل هذا التأخير على المؤسسة وحدها، بل يمتد في نهاية المطاف إلى إمكانات النمو والابتكار في الدولة.
وفي هذا الصدد، يطرح السؤال نفسه: هل تخدم عملية المناقصات الصارمة مثل هذه الابتكار؟ والإجابة قطعًا هي لا. ففي هذا المثال، كانت عملية المشتريات تشترط مستوى عاليًا من اليقين والضمانات، بينما تطلب معالجة التحدي حلاً مبتكرًا لم يدخل طور التجربة بعد؛ مما أدى إلى عجز جميع مقدمي العطاءات عن تلبية متطلبات المناقصة.
وفي ظل هذا التعارض الواضح بين التوقعات المنضبطة للمشتريات والطبيعة غير المؤكدة للابتكار، يظل السؤال قائمًا: “كيف يمكن لمبادئ المشتريات التقليدية أن تفسح المجال للابتكار في خضم الأفكار غير التقليدية؟”
تُؤمن شركة “ابتكار” إيمانًا راسخًا بأنه يتوجب على قطاعات الأعمال تجاوز الحدود وتحدي الوضع الراهن فيما يتعلق بالأدوات والوسائل المستخدمة في المشتريات. فبدلاً من الاستغراق في مداولات الشراء التقليدية المكررة، تقتضي المصلحة التحول نحو تأسيس منظومة مشتريات مرنة ومتطورة. وهنا يصبح التعاون الاستراتيجي حجر الزاوية في تضافر جهود مؤسسات الأعمال؛ إذ يساهم انتهاج هذا المسار في تمكين الابتكار داخل المنظومة الوطنية وتحقيق تقدم ملموس.
مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار: الشراكات القائمة على البحوث هي مفتاح النجاح
أجرى مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار تحليلاً شاملاً للشركات حول العالم لتحديد أفضل الممارسات في تبني الابتكار. وتأخذ عملية المقارنة المرجعية هذه في الاعتبار المنظورين الإقليمي والعالمي، مبينةً أن الابتكار المؤسسي يندرج عادةً تحت أحد نماذج ثلاثة: البناء، أو الشراكة، أو الاستحواذ.
بالنسبة لنموذج الشراكة، فهو ينسجم بشكل وثيق مع طبيعة وممارسات بيئة الأعمال المحلية. إذ يسهم التعاون مع جهات خارجية، كالشركات الناشئة والجامعات والمؤسسات البحثية، في توسيع نطاق التأثير وإتاحة الوصول إلى شبكة عالمية من المبتكرين. وتستطيع قطاعات الأعمال الاستفادة من خبرات متنوعة، وتطوير الحلول بشكل تشاركي، فضلاً عن تسريع وتيرة الابتكار عبر عقد شراكات استراتيجية.
وعلى هذا الأساس، تُمثل مبادرة “قطر للابتكار المفتوح” التي أطلقها مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار نهجًا بديلاً لمنظومة المشتريات التقليدية عبر إرساء هذه الشراكات. ويتم ذلك من خلال تحديد التحديات النوعية، وتوفير المنشآت والمرافق لاختبار التقنيات الحديثة، فضلاً عن استحداث آليات مخصصة للتطوير المشترك.
تتمثل الغاية الأساسية من تطبيق الابتكار المفتوح في كبرى الشركات المحلية في إيجاد بيئة عمل تتسم بالعدالة والشفافية للتعامل مع المبتكرين، بعيدًا عن القيود التي تفرضها منظومة المشتريات التقليدية الجامدة.
ولأن نجاح الابتكار يتطلب وجود دعم قيادي حقيقي واقتناع مؤسسي تام، إلى جانب رعاة يتبنون التغيير داخل المنظومة، يبرز في هذا السياق التعاون مع “شركة حصاد الغذائية” كنموذج استثنائي يجسد أثر هذا الدعم القيادي والشراكة الفاعلة.
شركة "حصاد": نهج استباقي في إدارة الأعمال والأفراد في مواجهة الأزمات
حققت شركة “حصاد”، وهي الذراع الاستثماري المخصص لدعم الأمن الغذائي في دولة قطر، قفزات نوعية على مدى السنوات الخمس الماضية؛ حيث أدت استجابتها للتحديات الناجمة عن الحصار إلى إحداث تحولات جذرية في هذا القطاع. وتُعد الشركة دراسة حالة نموذجية، إذ يوفر تعاملها المبتكر مع حالة عدم اليقين والظروف الاستثنائية دروسًا قيمة للمؤسسات الأخرى التي تواجه ظروفًا مماثلة.
وفي مواجهة الحصار، سارعت شركة “حصاد” إلى التكيف بمرونة عالية لضمان استدامة إمدادات السلع الأساسية. وإيمانًا منها بضرورة كسر منطق “استحالة التنفيذ”، أدركت الشركة أن آليات المشتريات التقليدية تقف عائقًا أمام تحقيق هذا الهدف؛ فبادرت إلى انتهاج نموذج استباقي في إدارة الأعمال والكادر البشري، مما مكنها من استنباط حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة.
وبناءً على ذلك، أعادت شركة “حصاد” هندسة عمليات المشتريات لديها، ووسعت القدرات الإنتاجية المحلية استراتيجيًا عبر تقليص مراحل الاعتماد والموافقات، وصياغة استراتيجية ترتكز على البيانات، والرؤى التحليلية، والعمليات الرشيقة (Lean Operations). وأثمر إلغاء الإجراءات المكررة وتخفيف الاشتراطات غير الضرورية عن تحقيق تحسينات ملموسة؛ إذ أدت هذه المبادرات إلى اختصار المدة الزمنية لعمليات الشراء بنسبة قياسية تراوحت بين 30 – 35%، ورفع السعة الإنتاجية لقطاع الدواجن بنسبة 30%، فضلاً عن تحقيق قفزة نوعية في إنتاج الخضروات.
علاوة على ذلك، يُعد تبني “برنامج الابتكار المفتوح” ممارسة تطويرية أخرى طبقتها شركة “حصاد”. وقد وفر هذا البرنامج للشركة بيئة آمنة ومحفزة لاستكشاف واختبار الأفكار المبتكرة التي قد لا تكون مناسبة ضمن عملية المشتريات التقليدية.
تجسد هذه التجربة حقيقة مفادها أن مسيرة شركة “حصاد” تُثبت أهمية إعادة التقييم المستمر، والتمتع بالمرونة التشغيلية، وانتهاج نموذج أعمال استباقي. وهو ما يتحقق من خلال تغيير المفاهيم، والتعلم المستمر، وبناء الشراكات مع الخبراء، واتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع.
خدمات أمازون ويب (AWS): تبني التكنولوجيا الرقمية في عملية المشتريات مفتاح الابتكار
لعب التحول الرقمي دورًا محوريًا في تطوير العمل الحكومي، من خلال تمكين نهج تشغيلي أكثر كفاءة وابتكارًا. ويوفر تطبيق خدمات أمازون ويب (AWS) للحلول الرقمية بالشراكة مع عدد من حكومات دول مجلس التعاون الخليجي نموذجًا فريدًا يعكس كفاءة وقوة تقنياتها. وقد أحدث سوق خدمات أمازون ويب (AWS Marketplace)، بما يتميز به من تجربة مستخدم سلسة، تحولاً ملموسًا نحو استثمار الحلول التكنولوجية المتقدمة عبر هذا القطاع.
ومن خلال الاستفادة من سوق خدمات أمازون ويب (AWS Marketplace) والمنصات المركزية المماثلة، يمكن للشركات إحداث نقلة نوعية في عمليات المشتريات لديها عبر تبني أدوات شراء مبتكرة. وتوفر هذه المنصات نهجًا مركزيًا أسهم بشكل ملموس في خفض المخاطر المرتبطة بعمليات الشراء.
كما يُتاح للشركات تقييم العروض البرمجية وإجراء تجارب قبل الشراء، مما يقلل من مخاطر الاستثمار في برامج قد لا تلبي متطلباتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحسين كفاءة الإنفاق وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المالية.
وقد أسهم تطبيق المنصات الإلكترونية والأسواق المركزية، كما هو الحال في سوق خدمات أمازون ويب (AWS Marketplace)، في تزويد المؤسسات بإجراءات شراء أكثر سرعة وباقة متنوعة من الخيارات البرمجية، مما أطلق العنان للإمكانات الكاملة لقطاع المشتريات عبر الحلول القائمة على التكنولوجيا.